خليل الصفدي

332

أعيان العصر وأعوان النصر

برع في الفقه وغير ذلك ، وتشعّبت به في الفضائل الطرق والمسالك ، وانتهت إليه الإمامة في زمانه ، وتفرّد برئاسة العلم في أوانه ، وكان بحرا من بحور العلم الزخّارة ، وحبرا من أحباره الذين توقدوا للهدى مثل الكواكب السيارة ، تستحي ذكاء من ذكائه ، وتفيض علومه حتى يأخذ الغمام منها ملء زكائه ، مكبا على الطلب لا يفتر ولا يني ، ولا يقول السأم لنفسه طالبي بالتي هي أحسن ولا يني ، قد جانب ملّة الملل ، وتحقق أن الإخلال بذلك من الفساد والخلل ، هذا مع الصون والرزانة ، والتواضع الذي زاده رفعة وزانه ، والوقار الذي خفّت الجبال أن تكون وزانه ، والحلم الذي هو زينة العلم ، وطراز الحرب والسلم ، والمحاسن التي ما محاسناها ضوء صباح ، ولا حوتها الوجوه الصّباح : ( الطويل ) تراه إذا ما زرته متواضعا * جليلا على حشد النّديّ وحفله وتعرف منه الفضل من قبل نطقه * كما يعرف الهنديّ من قبل سلّه وتبصر منه أمّة وهو واحد * وما زاد في ذي عدّة مثل نبله إذا كان في أفق وأظلم حادث * سرى خائف العشواء في ضوء عقله ولم يزل على حاله بحماه إلى أن ترك القضاء ، وذهب بصره فشكر القدر والقضاء ، ثم إن البارزي أضمره الضريح وأخفاه ، واستكمل الأجل واستوفاه ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة . ومولده سنة خمس وأربعين وستمائة . فتوفي - رحمه اللّه تعالى - عن ثلاث وتسعين سنة ، وحج مرات ، وحدّث بأماكن ، وحمل الناس عنه علما جما ، وأذن لجماعة بالإفتاء ، وبلغني أن الشيخ برهان الدين بن تاج الدين الفزاري كان يقول : أشتهي أن أروح إلى حماة ، وأقرأ التنبيه على القاضي شرف الدين البارزي . وكان يرى الكف عن الخوض في الصفات ، ويثني على الطائفتين ، واقتنى من الكتب شيئا كثيرا ؛ بحيث إنه كان عنده من كل شيء نسختان وثلاثة ، وكان إذا سمع بتصنيف لأحد من أهل عصره جهّز الدراهم ، واستنسخ ذلك ، وباشر القضاء بلا معلوم لغناه عنه ، وما اتخذ درّة ، ولا عزّر أحدا قط ، ولا ركب بمهماز ولا مقرعة ، وعيّن مرات لقضاء مصر فاستعفى ، وكانت جلالته عجيبة مع تواضعه . وكان قد أخذ الفقه عن والده وجده ، وجدّه عن القاضي عبد اللّه بن إبراهيم الحموي ، وعن فخر الدين بن عساكر ، وأخذ القاضي عبد اللّه عن القاضي أبي سعد بن أبي عصرون عن الفارقي عن أبي إسحاق الشيرازي عن القاضي أبي الطيب ، وأخذ فخر الدين عن قطب الدين مسعود النيسابوري عن عمر بن سهل السلطان عن الغزالي عن إمام